الشيخ محمد رشيد رضا

116

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لمجرد التفنن في العبارة ؟ كلا ان النكتة ظاهرة لا تخفى على من كانت اللغة ملكة له وقد تخفى عمن تكون صناعة عنده لا يفهم دقائق نكتها الا عند تذكر القواعد الصناعية التي تدل عليها وتدبرها ، ومن كانت له الملكة والصناعة قد يفهم المراد في الجملة ويغفل عن ايضاحها بالقواعد الصناعية . إن التعبير بجملة « وأنتم سكارى » يتضمن النهي عن السكر الذي يخشى ان يمتد إلى وقت الصلاة فيفضي إلى أدائها في أثنائه فالمعنى احذروا أن يكون السكر وصفا لكم عند حضور الصلاة فتصلوا وأنتم سكارى فامتثال هذا النهي إنما يكون بترك السكر في وقت الصلاة بل وفيما يقرب من وقتها ، وليس المعنى لا تصلوا حال كونكم سكارى ، وعلى هذا لا يرد الاعتراض الذي أورده الأستاذ الامام وأجاب عنه بثلاثة أجوبة وأنما كان يرد لو قال تعالى لا تقربوا الصلاة سكارى ، أو يقال في دفعه هذا ، والجواب الأول من تلك الأجوبة في معنى هذا ولكنه ليس مأخوذا من منطوق الآية ومدلول الجملة الحالية وانما فهمنا منه انه مأخوذ من توقف الامتثال على اجتناب السكر قبل الصلاة وصرح بأنه من باب الاحتياط . واما نهيهم عن الصلاة جنبا فلا يتضمن نهيهم عن الجنابة قبل الصلاة ولهذا لم يقل وأنتم جنب . فيا للّه العجب من دقة عبارة القرآن الحكيم وبلاغتها واشتمالها على المعاني الكثيرة باختلاف التعبير فقد دلت الآية باختلاف الحالين على أن الشارع يريد صرف الناس عن السكر وتربيتهم على تركه بالتدريج لما فيه من الاثم والضرر ولا يريد صرفهم عن الجنابة لأنها من سنن الفطرة وانما ينهاهم عن الصلاة في أثنائها حتى يغتسلوا فهذا النهي تمهيد لفرض الطهارة من الجنابة وكونها شرطا للصلاة وذلك النهي تمهيد لتحريم الخمر البتة في سياق ايجاب الفهم والتدبر لما في الصلاة من الأذكار والتلاوة والجنب قال الأستاذ الامام يعرفه كل أحد يعني من قراء العربية لأنه مستعمل الآن عند الخاصة والعامة في المعنى الذي جاء به القرآن ، ولكنه لم يذكر ما هي صيغته وما معنى أصل مادته . وقد استعملت العرب هذا اللفظ استعمال المصادر في الوصفية فقالوا هو جنب وهي جنب وهما جنب وهم جنب وثناه وجمعه بعضهم فقالوا جنبان وأجناب وجنوب . وقال أبو البقاء هو مشتق من المجانبة بمعنى المباعدة ، وليس بظاهر .